يوليو 01

كتابة الأزمة

مارثا تود
هل من الممكن الشفاء من خلال اللغة ؟

 ثمانية كتاب مصريين ودنماركيين يستكشفون القوة الشافية للغة، في بودكاست “كتابة الأزمة”، والذي أنتجنه “سارة بهجت” من المبادرة الدنماركية المصرية للحوار. البودكاست یشمل قراءة نص أدبي مختلف في كل حلقة، یعتمد فیه الكتاب على تجاربهم الخاصة ویسلطون الضوء على كیفیة استخدام اللغة في أوقات الأزمات

یستند البودكاست إلى مدرسة صیفیة للكتابة والترجمة مدتها خمسة أیام، أدارها الكاتب هیثم الورداني والناقدة الأدبیة نازیلا كیفي، وقد عقدت المدرسة في مدینة آرهوس الدنماركیة ، في سبتمبر عام 2019

وهناك ، كان المشاركون یستكشفون الكتابة كأداة للشفاء الفردي من التجارب المؤلمة ،والصدمات الجماعیة، وكوسیلة فنیة لتشكیل السرد

یشارك البودكاست تجربة القراءة، ونتاج النقاشات، ویتألف من ست حلقات، الأولى والأخیرة بمثابة مقدمة وخاتمة، وأربع حلقات أخرى لتسلیط الضوء على مختلف جوانب اللغة في أوقات الأزمة. یرویها الكاتب المصري ” شارل عقل” الذي یقدم المتحدثین ویصف المعمار المحیط، و دینامیكیة المجموعة، و تغیرات الطقس ، وكذلك الأجواء العامة

الرغبة هي الموضوع الرئیسي لبثنا الإذاعي، فالكتابة في لحظات الأزمات ترتبط ارتباطا قویا بالرغبة في المضي قدما، وفهم دور الفرد داخل الأزمة ، واتخاذ موقف ، أو ربما لمجرد فهم ما یحدث.

عبر البودكاست ، یحاول المشاركون تحدید هذه الرغبة بسؤالهم عما یحدث عندما تنضب الرغبة نفسها، و عن كیفیة خلق رغبات جدیدة

 بعد قراءة مقال الكاتبة والفنانة الأمریكیة اللبنانیة، إتیل عدنان ” الكتابة بلغة أجنبیة” ، یفكر المشاركون في قضایا الكتابة الأدبیة باللغات الأجنبیة في الحلقة الثانیة من البودكاست. ولدت “عدنان” في بیروت،لكنها من الناطقین بالفرنسیة، یعرض المقال معضلة “عدنان” في كونها متعدد ة اللغات. بسبب الوضع السیاسي في الخمسینات بین البلدان الفرنسیة والعربیة

أصبحت غیر متأكدة بأي لغة ستكتب، تقول : “أدركت أنني لا أستطیع الكتابة بحریة بلغة تزعجني،” كتبت في مقالها: “سرعان ما أدركت أن هذا یعني بالنسبة لي لغة جدیدة وحلا لمعضلتي، لم أكن في حاجة إلى الكتابة بالفرنسیة بعد الآن، كنت سأرسم بالعربية”

خلال المناقشة، اكتشف الُكتاب قوة السیاق الثقافي للغة. وفي لحظات الصراعات التاریخیة أو الحروب قد تكون لدى الكتاب رغبة في التعبیر عن أنفسهم بلغة محایدة، لكي یتمكنوا من فصل أنفسهم عن جانبهم من الصراع. ففي الدنمارك، على سبیل المثال، هناك جیل مسن من الدنماركیین الألمان ثنائي اللغة، الذین ما زالوا یشعرون بالخجل من لغتهم الألمانیة (اللغة الثانیة) لأنها تتعلق بالحرب العالمیة الثانیة. وبالمثل، فإن المصریین الناطقین بالعبریة الیوم یخشون حمل تراث الحرب المصریة الإسرائیلیة

في الحلقة الثالثة، یقرأ الكتاب مقتطفات من نص للكاتبة البرازیلیة ” سولي رولنیك”، والتي تصف فیه كیفیة هروبها من النظام الشمولي، وكیف تجد ملاذا في فرنسا، فقد قررت أن تنسى لغتها الأم وتتكیف مع الفرنسیة و ستتمكن من رؤیة الصورة الأكبر وتعبر عن رؤى لم تكن حتى تستطیع التعبیر عنها بلغتها الأم.

لاحظ أحد المشاركین أن الذكریات السیئة تتوسط اللغة، یبدو كما لو أن المؤلف یحاول جعل هذه اللغة صلبة لحمایة نفسها من سم الذكریات السیئة

 إن ذلك مثیر للاهتمام، لأنه یسلط الضوء على قوة اللغة بقدر ما تظهر حدودها في لحظات الأزمة. صارت الصدمة واضحة بلغة رولنیك، لأنها لم تعد قادرة على التعبیر عن أشیاء معینة في لغتها الأم وفي نفس الوقت، فإنه أیضا من خلال اللغة (لغتها الثانیة الجدیدة) أصبحت تملأ الفجوات من الكلمات المفقودة، فصارت اللغة الجدید هي القناة التي یمكن من خلالها الوصول للصدمة

والفرید هنا، هو كیفیة تمكن المشاركین من الاستفادة من تجاربهم الخاصة في الكتابة في أوقات الأزمات. وبهذه الطریقة ، فإن المناقشة التي تلي القراءات هي وسیلة للمشاركین للتفكیر في دوافعهم الخاصة للكتابة بقدر ما هو تحلیل للنص الأدبي:
كنت بحاجة إلى الكتابة للنجاة من الوقت في بیروت، ولكن لم أستطع معالجة صدمتي من خلال روایة. وكان علي أن أراها أولا كي أتقبل وجودها ؛ وأن أبدأ على الأقل في فهم ما هي علیه ، ثم أبدأ في التعبیروالتعامل معها .

هذا ما قالته الكاتبة اللبنانیة المصریة سحر مندور، أحد المشاركات في المدرسة الصیفیة، واصفة كتاباتها عن الحرب الأهلیة اللبنانیة بأنها طریقة للبقاء في بيروت ، وهنا تظهرمفارقة مع تحول الكتابة إلى رحلة لإیجاد العلاج، فهي تكتب لأنها ترید فهم التجربة المؤلمة للحرب،  ومع ذلك لیس من الممكن تحویل ما تفهمه إلى روایة، كما لو كانت تجاربها المؤلمة لم تتحول بعد إلى ذكریات یمكنها سردها في رواية

وعلاوة على ذلك، شمل البودكاست منظورا مثیرا للاهتمام بشأن تحدیات الترجمات، و التي سلط علیها الضوء في الحلقة الخامسة، حيث يناقش المشاركون إمكانیة ترجمة القصائد، هل هي قابلة للترجمة؟ وما الذي یستطیع ولا یستطیع المترجم تحقیقه؟ ، ویقترح المشاركون، وهم یتشاركون تجاربهم، أن ما ینقل بالترجمة هو الإحساس الشعري الذي یتصوره المترجم وهذا یعني قبول هزیمة جزئیة للمترجم، لأنه لا یوجد سوى فهم ذاتي للقصائد، فالترجمة هنا تعتمد على الخیارات

تم استضافة البودكاست من قبل الكاتب ” شارل عقل”، وإنتاج “سارة بهجت” من المبادرة الدنماركیة المصریة للحوار، وصمم الصوت والمیكساج المخرجة “نادین صلیب”. ويستند البث إلى تسجیلات المدرسة الصیفیة التي أقیمت في سبتمبر الماضي بمتحف موسجارد بالدنمارك، التي شارك فیها لمدة خمسة أیام ثمانیة من الكتاب المصریین والدنماركیین وهم ناریمان یوسف، وسحر مندورونورهان توفیق، ونیرة أنطون، وماثیاس ریفن، وزارا لي بالمستك، وشارل عقل، وجمال بندهمان، وقد أدار القراءات والمناقشات الكاتب المصري هیثم الورداني والناقدة الدنماركیة نازیلا كیفي

للاستماع إلى البث الإذاعي یرجى الضغط هنا

 

 

.

X